عبد القادر الجيلاني

46

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

بين العبد وبين الحقّ أحدهما أسود والثّاني أبيض » « 1 » ثمّ حلق رأس الرّوح من الصّفات البشريّة بملازمة الاسم الثّامن ، ثمّ دخل حرم السّرّ بملازمة الاسم التّاسع ، ثمّ وصل رؤية العاكفين ، فيعتكف في بساط القربة والأنس بملازمة الاسم العاشر ، ثمّ رأى جمال الصّمديّة بلا كيف ولا تشبيه ، ثمّ طاف سبعة أشواط بملازمة الاسم الحادي عشر ، ومعه ستة أسماء من الفروعات ، ثمّ يشرب من يد القدرة كما قال اللّه تعالى : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [ الإنسان : الآية 21 ] بقدح الاسم الثّاني عشر ، ويرفع برفع الوجه الباقي المقدّس فينظر بنوره إليه ، وهذا معنى قوله تعالى في الحديث القدسيّ : « ما لا عين رأت . . . » « 2 » - يعني : لقاء اللّه تعالى - « . . . ولا أذن سمعت . . . » - يعني : كلام اللّه تعالى بلا واسطة الحروف والصّوت - « . . . ولا خطر على قلب بشر . . . » - يعني : ذوق الرّؤية والخطاب - ثمّ حلّل ما حرّم اللّه ، بتبديل السّيّئات إلى الحسنات ، بتكرار أسماء التّوحيد كما قال اللّه تعالى : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : الآية 70 ] ، ثمّ العتق من التّصرفات النّفسانيّة ، ثمّ الأمن من الخوف والحزن كما قال اللّه تعالى : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) [ يونس : الآية 62 ] - رزقنا اللّه وإياكم - بفضله وكرمه ، ثمّ طاف الصّدور بتكرار الأسماء كلّها ، ثمّ الرّجوع إلى وطنه الأصليّ في عالم القدسيّ في أحسن التّقويم بملازمة الاسم الثّاني عشر ، وهو متعلّق بعالم اليقين ، وهذه التأويلات في دائرة اللّسان والعقل . وأمّا ما وراء ذلك فلا يمكن الإخبار عنه ، لأنّه لا تدركه الأفهام والأذهان ، ولا تسع الخواطر في ذلك كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ من العلم كهيئة المكنون لا يعلمها إلّا العلماء باللّه فإذا نطقوا به لم ينكره إلّا أهل الغرّة » « 2 » فالعارف يقول ما دونه ، والعالم باللّه يقول ما فوقه ، فإنّ علم العارف سرّ اللّه تعالى ، لا يعلمه غير اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : الآية 255 ] - أي : الأنبياء والأولياء - كما قال اللّه تعالى : فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ( 7 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ( 8 ) [ طه : الآيتان 7 ، 8 ] .

--> ( 1 ) لم أقف عليه . ( 2 ) تقدّم تخريجه .